فخر الدين الرازي

230

تفسير الرازي

سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 194 ) . وأما المعقول : فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار . قال تعالى : * ( ولكم في القصاص حياة ) * ( البقرة : 179 ) وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار ، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار ، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار ، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر ، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا . والجواب : أن قوله : " قتيل الخطأ " يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه ، وقد بينا أن من خنق إنساناً أو ضرب رأسه بحجر الرحا ، ثم قال : ما كنت أقصد قتله ، فان كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال ، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه . والله أعلم . المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة : القتل العمد لا يوجب الكفارة ، وقال الشافعي : يوجب . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، فقال قوله : * ( ومن قتل مؤمناً خطأ ) * شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط ، فيقال له : إنه تعالى قال : * ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ) * ( النساء : 25 ) فقوله : * ( ومن لم يستطع ) * ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم ، فكذلك ههنا . ثم نقول : الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس . أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل ، فقال : أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار . وأما القياس : فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار ، والحاجة إلى هذا المعنى في القتل العمد أتم ، فكانت الحاجة فيه إلى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم . وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال : لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطئ إلا في الاثم ، فكذا في قتل المؤمن ، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال : نص الله تعالى هناك في العامد ، وأوجبنا على الخاطئ . فههنا نص على الخاطئ ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد إلى الاعتاق المخلص له عن النار